السيد ابن طاووس

536

مصباح الزائر

كِشْمَرْدَ مَعَ أَبِي ظَاهِرٍ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَرْمَطِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ كِشْمَرْدَ ، فِي دَارِهِ بِبَغْدَادَ ، وَسَأَلَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامِ بْنِ سُهَيْلٍ الْكَاتِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَذْكُرَ لَنَا حَالَهُ إِذْ كَانَ عِنْدَ الْهَجَرِيِّ بِالْأَنْبَارِ . حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أُسِرَ بِالْهَبِيرِ مَعَ أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ حَمْدَانَ ، قَالَ : وَكَانَ أَبُو ظَاهِرٍ سُلَيْمَانُ مُكْرِماً لِأَبِي الْهَيْجَاءِ ، بِأَنْ كَانَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى طَعَامِهِ فَيَأْكُلُ مَعَهُ ، وَيَسْتَدْعِيهِ أَيْضاً بِاللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ مَعَهُ . فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ سَأَلْتُ أبي [ أَبَا ] الْهَيْجَاءِ أَنْ يُجْرِيَ ذِكْرِي عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ ، وَيَسْأَلَهُ إِطْلَاقِي ، فَأَجَابَنِي إِلَى ذَلِكَ ، وَمَضَى إِلَى أَبِي ظَاهِرٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى رَسْمِهِ ، وَعَادَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَأْتِنِي ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَغْشَانِي عِنْدَ عَوْدِهِ مِنْ عِنْدِ سُلَيْمَانَ ، فَتَسْكُنَ نُفُوسُنَا ، وَيُعَرِّفَنَا أَخْبَارَ الدُّنْيَا ، فَلَمَّا لَمْ يُعَاوِدْنَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَعَ سُؤَالِي إِيَّاهُ الْخِطَابَ فِي أَمْرِي اسْتَوْحَشْتُ لِذَلِكَ ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ إِلَى مَنْزِلِهِ الْمَرْسُومِ ، وَكَانَ أَبُو الْهَيْجَاءِ مُبَرِّزاً فِي دِينِهِ ، مُخْلِصاً فِي وَلَايَتِهِ ، مُتَوَفِّراً عَلَى إِخْوَانِهِ ، فَلَمَّا وَقَعَ طَرْفُهُ عَلَيَّ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً ، وَقَالَ : وَاللَّهِ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ لَقَدْ تَمَنَّيْتُ أَنِّي مَرِضْتُ سَنَةً وَلَمْ أُجْرِ ذِكْرَكَ . قُلْتُ : وَلِمَ ؟ قَالَ : لِأَنِّي لَمَّا ذَكَرْتُكَ لَهُ اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَغَيْضُهُ ، وَحَلَفَ بِالَّذِي يَحْلِفُ بِمِثْلِهِ لَيَأْمُرَنَّ بِضَرْبِ رَقَبَتِكَ غَداً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَقَدِ اجْتَهَدْتُ فِي إِزَالَةِ مَا عِنْدَهُ بِكُلِّ حِيلَةٍ ، وَأَوْرَدْتُ عَلَيْهِ كُلَّ لَطِيفَةٍ ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى قَوْلِهِ ، وَأَعَادَ يَمِينَهُ بِمَا خَبَّرْتُكَ عَنْهُ . قَالَ : ثُمَّ جَعَلَ أَبُو الْهَيْجَاءِ يُطَيِّبُ نَفْسِي وَقَالَ : يَا أَخِي لَوْ لَا أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ لَكَ وَصِيَّةً ، أَوْ حَالًا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ لَطَوَيْتُ عَنْكَ مَا أَطْلَعْتُكَ عَلَيْهِ مِنْ نِيَّتِهِ ، وَسَتَرْتُ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ مِنْهُ ، وَمَعَ هَذَا ثِقْ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَارْجِعْ فِي مَا يُهِمُّكَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ